كان ذلك في أول ديسمبر حين تتحول وريقات الشجر من الأخضر الزاهي إلى الأصفر والأحمر والبرتقالي، وهكذا الحياة تتقلب بين الشدة والرخاء كتقلب الليل والنهار، ودوام الحال من المحال، فلنُرِ الله من أعمالنا خيرًا، فهو الذي ذكر في كتابه العزيز:
ليبلوكم أيكم أحسن عملًا
فليكن حالنا الشكر عند الرخاء والحمد عند البلاء، فإن الله لم يبتلِ العبد ليهلكه بل ليرحمه.
وما إن وطأت أقدامنا على الشجر المتكسر الملون الجميل المتساقط في أجواء الخريف حتى سمعنا صوت الأنين والحنين وهبت نسمات الهواء العليل فسمعنا حفيف الأشجار يتحرك بخفة ويرسم في قلوبنا الآمال والأحلام والبشرى بالأمن والإيمان والسلام النفسي والرضا والرضوان.
أقلعت الطائرة بقيادة قائدها البارع د. منير لطفي، وأخذنا في رحلة ماتعة لزيارة «مشاهير في ذاكرة المرض». زرنا فيها المرضى والمشاهير الذين عانوا الأمراض المختلفة، تعرفنا فيها على الأمراض وعلى بعض المصطلحات، وغصنا في أجهزة الجسم المختلفة: الجهاز العصبي، والدوري، والهضمي، والحركي، والغدد الصماء.
كانت الرحلة ماتعة، لم تحدثنا عن الطب بل عن الأدب والشعر والثقافة والرياضة والاجتماع والجغرافيا، ورجع بنا إلى التاريخ، وذهبنا إلى الشرق والغرب، وتوجهنا إلى السماء بقلوبنا وعقولنا، ورددنا الدعاء، وعزمنا على العمل والجد والمثابرة والكفاح، بعد أن رأينا أبطال المرض الذين صبروا وأبدعوا وعملوا، وحولوا المرض إلى طاقة تُحيي الأمل وتُحيي النفوس، ولم يذعنوا ولم يستسلموا إلا في صلتهم ببارئهم ليخفف عليهم ويعفو عنهم، فاللهم إنا نسألك العفو والعافية.
د.منير لطفي الطبيب الأديب والأديب الطبيب، قرّب لنا الطب بطريقة مرنة سلسة تخاطب الإنسان وتشعر به وتتألم له وترشده وتحنو عليه في الطريق وتحفزه، وتنقل لنا نماذج من النضال والكفاح والمعاناة والإبداع والصبر والعمل.
وبرغم انشغاله بقيادة الطائرة وتفقد المرضى، إلا أنه حدثنا عن الدافع والإلهام الذي جعله يكتب عن الربط بين المرض والمشاهير، وقد طالع فيه ما يقارب ٦٠ كتابًا، وكتب لنا ووثق المصادر، ومنح لنا من وقته وجهده وفكره وأدبه ليكون لنا عظة وعبرة،
ولذلك كلل الكتاب بالآية:
وذكّر فإن الذكرى تنفع المؤمنين
ليحدد لنا الهدف والغاية من تأليف الكتاب.
حيث كتبه في أكثر من ٣٠٠ صفحة، قابلنا فيها ٣٧ من مشاهير العالم، وزعهم على ٤ فصول، بدأ بقارة إفريقيا، وبعدها قارة آسيا، ثم أوروبا، ثم الأمريكتين.
أما عن الغلاف فقد حرص أن يضع فيه اللون الذهبي لون الشمس ليبعث الأمل والبشرى في النفوس.
وعن التنسيق الداخلي، نسق هذا الكتاب شاب كان في السنة النهائية في كلية الخدمة الاجتماعية بالفيوم، وأصيب بشلل رباعي، فتعلم المونتاج والتنسيق، وكان يحرك الماوس بلسانه، وهو الشاب هشام النادي، ويلقب بـ«سليل الفراعنة».
بدأ الرحلة بقارة إفريقيا حيث كانت الأقرب لدينا، وما إن هبطت الطائرة في إفريقيا المباركة فأشرقت أرواحنا في ضوء النهار بالشمس الساطعة.
زرنا فيها ٨ مشاهير، وتعرفنا على الداء المصاحب لهم، والإبداع والعمل الذي لم يفارقهم:
- علي الجارم / السكتة القلبية.
- أحمد أمين / انفصال الشبكية.
- محمود تيمور / الحمى التيفودية.
- أحمد زكي / الوهن العضلي الوبيل.
- مصطفى محمود / حصوات الكلى.
- صبحي الجيار / التهاب الفقرات التيبسي.
- حسن الشافعي / الهربس النطاقي.
- مانديلا الابن / الإيدز.
نقلت لكم اقتباسًا من صبحي الجيار الذي تأثرنا به وكان حجة على المقصرين، وعلى من صحبتهم العافية فلم يقدّروا لها قدرها، قال صبحي الجيار:
«ربع قرن قضيته في وضع أفقي وقد التصق ظهري بالسرير، وتطلع بصري إلى السقف، لا تنبسط لي ساق، ولا تنثني فقرات، ولا يلمس جنبي الفراش، ولا يفرق بين ليلي ونهاري غير حركة الجفون».
استعان بالأدب والفن على المرض، ودرس القصة والأدب والرسم، وألف القصص، ورسم كاريكاتير، وترجم كتبًا، وكان له حضور بارز في الصحافة والإذاعة بفنه وقلمه، وهو لم يغادر فراشه.
وحينما أقلعت الرحلة إلى القارة الآسيوية طرح علينا طاقم الطائرة: هل المرض نعمة أم نقمة مع ذكر الدليل؟
وأنا أسألك أيها القارئ: هل المرض نعمة أم نقمة مع ذكر الدليل؟
التقينا بعدها مع المشاهير المرضى من قارة آسيا، منهم من وجدناه، ومنهم من كانت تفصله عنا مئات السنين، فزرنا مكانه وبلدته، وتذاكرنا اسمه وعمله وآثاره الباقية التي خلدت ذكراه على مر السنين، ومنهم من كتب لنا مذكراته عن تجربة المرض، كما فعلت إليف شافاق في «حليب أسود»، وتركي الدخيل «مذكرات سمين سابق»، والبريطاني مات هيغ «أسباب للبقاء حيًا».
وهؤلاء هم المشاهير الذين دلفنا إليهم في الفصل الثاني «مشاهير آسيوية»:
- الجاحظ / التسمم الدرقي.
- أحمد بن طولون / الكوليرا.
- ابن الوردي / الطاعون.
- سليمان القانوني / النقرس.
- دوستويفسكي / الصرع.
- تولستوي / الالتهاب الرئوي.
- جبران خليل جبران / السل الرئوي.
- قسطنطين تشيرنينكو / تليف الكبد.
- أرييل شارون / السكتة الدماغية.
- محمود درويش / تمدد الشريان الأورطي.
- عبد الرحمن السميط / الملاريا.
- إليف شافاق / الاكتئاب.
- تركي الدخيل / السمنة.
وبعد أن أقلعت الطائرة وهبت علينا ريح الصبا في وقت الفجر، حيث يحفنا السحاب الأبيض ويحيط بالطائرة، وتتنزل الملائكة بالرزق والبركة، توجهنا إلى قارة أوروبا حيث التقينا بمشاهير الفصل الثالث:
الفصل الثالث: مشاهير أوروبية
- شارل بودلير / الزهري.
- تيودور بلهارس / التيفوس.
- إدوارد السابع / التهاب الزائدة الدودية.
- روديارد كبلنج / القرحة الهضمية.
- فرانسوا ميتران / الانصمام الرئوي.
- ستيفن هوكينغ / التصلب العضلي الضموري.
- ديانا سبنسر / الشره المرضي (البوليميا).
لم تكن قراءة فردية يقبع كل منا على كتاب في يده، بل كانت مدارسة وعصفًا ذهنيًا وتلاقحًا للأفكار وتبادل الآراء وتثبيتًا للمعلومة. كانت تسافر أرواحنا وتلهج ألسنتنا وتتساءل عقولنا، ونحن في انتظار السؤال الذي جمع بين المرض والشهرة: هل الشهرة شيء إيجابي أم سلبي في حياة المرضى؟ وكيف أثرت عليهم؟ وهل تعتقد أن الشهرة كان لها دور في حياة المرضى بالكسب أم الخسارة أم اختلفت باختلاف الأحوال والأشخاص؟
وبرغم أن الشهرة مرض العصر، إلا أن من المشاهير من أهدوا لنا العلم والحكمة والفكرة والنظرية والاختراع والأدب والدواء والعلاج، وكثيرًا مما خدم البشرية في طريقها إلى النهضة والتقدم وتطور الإنسانية.
توجهنا إلى الأمريكتين وعبرنا المحيط، وكانت الرحلة طويلة، وسرت البرودة في الطائرة، وكان حلو الكلام وطرف الحديث هو المعين لنا على تدفئة الأجواء. فمنا من سأل عن النواقل العصبية، أو عن الوباء والطاعون، وعن الغدة الدرقية، وعن الجهاز الدوري، وعن الاكتئاب
بل تطرق بنا الحديث عن كتب التراث في الطب وعن الشعراء والأدباء حتى هبطت بنا الطائرة فقابلنا
مشاهير الفصل الرابع: مشاهير أمريكية
- رونالد ريغان / ألزهايمر.
- جون كينيدي / مرض أديسون.
- تشي جيفارا / الربو.
- جون ناش / الفصام.
- لاري كينغ / السكري.
- محمد علي كلاي / الشلل الرعاش.
- ستيف جوبز / السرطان.
- مايكل جاكسون / البهاق.
- رونالدو لويس الملقب بالظاهرة / قصور الغدة الدرقية.
وإلى هنا رجعنا إلى أرض الوطن
( آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون )
رجعنا شاكرين لربنا، وبنعمته وحسن فضله فرحون وراغبون.»
على أن نلتقي في رحلات مقبلة ونسافر في رحلة الكتب العامرة.